ابن أبي العز الحنفي
77
شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية )
صِفَةَ الْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ فَإِنَّهُمْ يَمُوتُونَ . وَمِنْهُ : أَنَّهُ قَيُّومٌ لَا يَنَامُ ؛ إِذْ هُوَ مُخْتَصٌّ بِعَدَمِ النَّوْمِ وَالسِّنَةِ دُونَ خَلْقِهِ ، فَإِنَّهُمْ يَنَامُونَ . وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْهُ نَفْيَ الصِّفَاتِ ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ ، لِكَمَالِ ذَاتِهِ . فَالْحَيُّ بِحَيَاةٍ بَاقِيَةٍ لَا يُشْبِهُ الْحَيَّ بِحَيَاةٍ زَائِلَةٍ ، وَلِهَذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعًا وَلَهْوًا وَلَعِبًا { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ } ( 1 ) . فَالْحَيَاةُ الدُّنْيَا كَالْمَنَامِ ، وَالْحَيَاةُ الْآخِرَةُ كَالْيَقَظَةِ ، وَلَا يُقَالُ : فَهَذِهِ الْحَيَاةُ الْآخِرَةُ كَامِلَةٌ ، وَهِيَ لِلْمَخْلُوقِ - : لِأَنَّا نَقُولُ : الْحَيُّ الَّذِي الْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ اللَّازِمَةِ لَهَا ، هُوَ الَّذِي وَهَبَ الْمَخْلُوقَ تِلْكَ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ ، فَهِيَ دَائِمَةٌ بِإِدَامَةِ اللَّهِ لَهَا ، لَا أَنَّ الدَّوَامَ ( 2 ) وَصْفٌ لَازِمٌ لَهَا لِذَاتِهَا ، بِخِلَافِ حَيَاةِ الرَّبِّ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ سَائِرُ صِفَاتِهِ ، فَصِفَاتُ الْخَالِقِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَصِفَاتُ الْمَخْلُوقِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ ، أَعْنِي " الْحَيَّ الْقَيُّومَ " مَذْكُورَانِ فِي الْقُرْآنِ مَعًا فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُمَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُمَا الِاسْمُ الْأَعْظَمُ ، فَإِنَّهُمَا يَتَضَمَّنَانِ إِثْبَاتَ صِفَاتِ الْكَمَالِ أَكْمَلَ تَضَمُّنٍ وَأَصْدَقَهُ ، وَيَدُلُّ الْقَيُّومُ عَلَى مَعْنَى الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ " الْقَدِيمِ " . وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى كَوْنِهِ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ . وَ " الْقَيُّومُ " أَبْلَغُ مِنَ " الْقَيَّامِ " لِأَنَّ الْوَاوَ أَقْوَى مِنَ الْأَلِفِ ، وَيُفِيدُ قِيَامَهُ بِنَفْسِهِ ، بِاتِّفَاقِ الْمُفَسِّرِينَ وَأَهْلِ اللُّغَةِ ، وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ . وَهَلْ تُفِيدُ إِقَامَتَهُ لِغَيْرِهِ وَقِيَامَهُ عَلَيْهِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ ، أَصَحُّهُمَا : أَنَّهُ يُفِيدُ ذَلِكَ . وَهُوَ يُفِيدُ دَوَامَ قِيَامِهِ وَكل قِيَامِهِ ، لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَزُولُ وَلَا يَأْفُلُ ، فَإِنَّ الْآفِلَ قَدْ زَالَ قَطْعًا ، أَيْ : لَا يَغِيبُ وَلَا يَنْقُصُ وَلَا يَفْنَى وَلَا يُعْدَمُ ، بَلْ هُوَ الدَّائِمُ الْبَاقِي
--> ( 1 ) سورة العنكبوت آية : 64 . ( 2 ) في المطبوعة « لأن الدوام » ، وهو خطأ ظاهر .